الصقر المغربي
19/04/2008, 20h45
عندما تتصل بأحد معارفك المقيمين ببلجيكا مثلا وتجد هاتفه المحمول مقفولا ، يستقبلك الصوت الأنثوي الآلي بعبارة : "بون جوغ" ، لا يمكنكم الاتصال بمخاطبكم الآن ، يمكنكم إعادة النداء لاحقا" ، وتختم كلامها بعبارة "أوغوفواغ" هادشي باللغة الفرنسية بطبيعة الحال .
وعندما تتصل بأحد معارفك المنخرطين في شركة اتصالات المغرب ، وتجد هاتفه مقفولا يستقبلك صوت أنثوي أيضا بنفس العبارة ، لكن مع كثير من الأخطاء اللغوية عندما ترد عليك بالعربية ، وطبعا بدون أن تسمع كلمة "بون جوغ" ولا "بون سواغ" ولا "أوغوفواغ" !
المشكل الذي نعاني منه نحن المغاربة هو أن الدم ديالنا سخون أكثر من القياس ، ولا نعرف أن مجرد كلمات بسيطة ورقيقة يمكن أن تجعل علاقات الناس أكثر مرونة وأكثر حميمية .
بالأمس ركبت سيارة أجرة عائدا إلى أكادير بعد زيارة قصيرة لعائلتي ، عندما اقتربنا من مدخل المدينة عرج السائق على اليسار لسلك طريق جانبية ، فتدخل راكب كان جالسا إلى جانبي :
- آآآآآآآآآآآسي محمد ، بلاتي أخويا فين غادي ؟
- غادي لابلاص إن شاء الله ...
- لا أخويا أنا ما غاديش للمحطة
- وفين باغي تنزل ؟
- فلاري ديال الفانت يان ( خط الحافلة رقم 21)
- سمح ليا أخويا ، را شحال هادي ما بقيناش كندوزو من تما .
- واش كاتفلا عليا ولا كيفاش ؟
- أسيدي الله يهديك را منعوا علينا ندوزو من ديك الطريق .
ثم صمت سائق الطاكسي . المشكل هو أن الطريق الذي تمر منه الحافلة رقم 21 لا يبعد عن الطريق الذي سلكه صاحب الطاكسي إلا بخمسين مترا أو أقل !
بعد لحظات من الصمت بدأ الراكب في المناوشة من جديد :
- وامصيبة هادي ، هازنا فالطوموبيل ديال باك ؟ وراه الطاكسي هادا أمولاي وبز منك توصلني للبلاصة اللي بغيت !
- فرد صاحب الطاكسي بغضب : يلا بغيتي توصل فين ما بغيتي شد ليك بتي طاكسي .
- ياك . كاتعرف تهضر ، إيوا أسيدي والله حتى نفسد عليك هاد الليلة ! دابا نعيط على البوليس .
- أودي عيط حتى عل الديستي !
- بزاف عليك الديستي ...تكد عليهم . صبحنا عالله على نهار كيداير ...تفو !
ثم تعالى الصياح داخل الطاكسي لدرجة لا تطاق . لحسن الحظ أننا وصلنا إلى المحطة . فتحت الباب بسرعة ونزلت من دون أن أتدخل بكلمة واحدة ، لأن أجمل مساعدة يمكن تقديمها لمغربيين عندما يتشاجران هي أن تبتعد عنهما وتتركهما ينهيان شجارهما كما يريدان ! ما دام أن أي محاولة للفصل بينهما هي بمثابة صب الزيت على النار.
والحقيقة أنه عندما يتشاجر مغربيان ويتدخل أحد ما ليصلح بينهما يزيدان في السب والشتم ويرفعان من إيقاع الشجار ، لا لشيء سوى لأن الذي يغلق فمه أولا هو بمثابة خواف في نظر المغاربة !
لذلك يسعى كل واحد منهما إلى أن يكون هو آخر من يكف عن إخراج كلمات السب الجارحة من فمه . صراحة لا أعرف بالضبط لماذا نحن هكذا ، نرتدي سراويل الدجينز الممزقة في الركبات ، ونضع الكاسكيطات على الطريقة الغربية فوق رؤوسنا ، وتلبس الفتيات الميني جيب الذي يكشف عن أجزاء مهمة من صدورهن ، ويختلط الرجال بالنساء على شاطئ البحر تماما كما يحدث في البلدان الغربية المتقدمة ، لكننا مع ذلك نعيش بعقليات تعود إلى القرون الوسطى أو ما قبلها ! . يعني أننا نقلد البلدان المتحضرة فقط في المظهر ، أما الجوهر الله يجيب .
فمتى سنتخلص من هذه العقليات المريضة يا ترى ؟ ومتى سنعرف أن التحضر والرقي ليس هو تعرية صدور الفتيات ومؤخرات الشباب وصبغ الشعر بكل الألوان الموجودة في الكون ؟ أحد الساخرين قال لي ذات مرة بأن ما ينقصنا لكي تستقيم تصرفاتنا وسلوكياتنا هو أن نرسل أدمغتنا إلى اليابان أو أي دولة أخرى متحضرة لكي يتم تقويمها هناك ، وبعد ذلك يردونها لنا . يا له من حل رائع !
هناك من يقول بأن سبب سخونة دم المغاربة يعود بالأساس إلى كل هذه الضغوط التي تفرضها علينا حياتنا القاسية ، المواطن المغربي البسيط تحيط به المشاكل التي لا تنتهي من كل الجهات ، لذلك تكون أعصابه متوترة على الدوام ، ويكون مستعدا للشجار والعراك بمجرد نشوب خلاف تافه .
لكن لماذا حتى الذين لا يعانون من مثل هذه المشاكل تكون أعصابهم ساخنة أيضا ؟ لماذا يتحول البرلمان مثلا أثناء انعقاد جلسات النواب إلى صالة يتعالى فيها الصراخ ويقذف فيها النواب بعضهم بعضا بكلمات نابية يقتبسونها من قاموس الشارع ؟
هناك أيضا من يقول بأن ثقافتنا والتربية التي نتلقاها داخل الأسر والمدارس هي التي تجعل المغربي إنسانا قابلا للانفجار في أي لحظة مثل عبوة ناسفة ، لكن المشكل هو أن حتى المغاربة الذين ولدوا وتربوا في البلدان المتقدمة ودرسوا هناك تكون دماؤهم أيضا ساخنة مثل إخوانهم داخل الوطن . ياك ما هادشي عندو علاقة بالوراثة ؟
عندما تسمع عن مظاهرة صاخبة كسرت فيها أبواب المحلات التجارية وأحرقت فيها السيارات في فرنسا أو بلجيكا أو هولندا فاعلم أن زعماءها سيكونون بلا شك من أصول مغربية أو جزائرية !
المغاربة لا يعرفون كيف يتظاهرون بدون تخريب ممتلكات الآخرين ، ولا يعرفون كيف يتناقشون دون رفع أصواتهم ، ولا يعرفون كيف يطالبون بحقوقهم من دون أن يرفعوا أيديهم في السماء .
نحن لا نعرف كيف نلقي تحية الصباح والمساء ، كل ما نعرفه هو العبوس والشتم والسب بلا سبب .
هذا هو واقعنا ، وهكذا نحن . الدم ديالنا سخون بحال الدم ديال العود . أما لماذا نحن هكذا ، فالجواب في علم الغيب !
وعندما تتصل بأحد معارفك المنخرطين في شركة اتصالات المغرب ، وتجد هاتفه مقفولا يستقبلك صوت أنثوي أيضا بنفس العبارة ، لكن مع كثير من الأخطاء اللغوية عندما ترد عليك بالعربية ، وطبعا بدون أن تسمع كلمة "بون جوغ" ولا "بون سواغ" ولا "أوغوفواغ" !
المشكل الذي نعاني منه نحن المغاربة هو أن الدم ديالنا سخون أكثر من القياس ، ولا نعرف أن مجرد كلمات بسيطة ورقيقة يمكن أن تجعل علاقات الناس أكثر مرونة وأكثر حميمية .
بالأمس ركبت سيارة أجرة عائدا إلى أكادير بعد زيارة قصيرة لعائلتي ، عندما اقتربنا من مدخل المدينة عرج السائق على اليسار لسلك طريق جانبية ، فتدخل راكب كان جالسا إلى جانبي :
- آآآآآآآآآآآسي محمد ، بلاتي أخويا فين غادي ؟
- غادي لابلاص إن شاء الله ...
- لا أخويا أنا ما غاديش للمحطة
- وفين باغي تنزل ؟
- فلاري ديال الفانت يان ( خط الحافلة رقم 21)
- سمح ليا أخويا ، را شحال هادي ما بقيناش كندوزو من تما .
- واش كاتفلا عليا ولا كيفاش ؟
- أسيدي الله يهديك را منعوا علينا ندوزو من ديك الطريق .
ثم صمت سائق الطاكسي . المشكل هو أن الطريق الذي تمر منه الحافلة رقم 21 لا يبعد عن الطريق الذي سلكه صاحب الطاكسي إلا بخمسين مترا أو أقل !
بعد لحظات من الصمت بدأ الراكب في المناوشة من جديد :
- وامصيبة هادي ، هازنا فالطوموبيل ديال باك ؟ وراه الطاكسي هادا أمولاي وبز منك توصلني للبلاصة اللي بغيت !
- فرد صاحب الطاكسي بغضب : يلا بغيتي توصل فين ما بغيتي شد ليك بتي طاكسي .
- ياك . كاتعرف تهضر ، إيوا أسيدي والله حتى نفسد عليك هاد الليلة ! دابا نعيط على البوليس .
- أودي عيط حتى عل الديستي !
- بزاف عليك الديستي ...تكد عليهم . صبحنا عالله على نهار كيداير ...تفو !
ثم تعالى الصياح داخل الطاكسي لدرجة لا تطاق . لحسن الحظ أننا وصلنا إلى المحطة . فتحت الباب بسرعة ونزلت من دون أن أتدخل بكلمة واحدة ، لأن أجمل مساعدة يمكن تقديمها لمغربيين عندما يتشاجران هي أن تبتعد عنهما وتتركهما ينهيان شجارهما كما يريدان ! ما دام أن أي محاولة للفصل بينهما هي بمثابة صب الزيت على النار.
والحقيقة أنه عندما يتشاجر مغربيان ويتدخل أحد ما ليصلح بينهما يزيدان في السب والشتم ويرفعان من إيقاع الشجار ، لا لشيء سوى لأن الذي يغلق فمه أولا هو بمثابة خواف في نظر المغاربة !
لذلك يسعى كل واحد منهما إلى أن يكون هو آخر من يكف عن إخراج كلمات السب الجارحة من فمه . صراحة لا أعرف بالضبط لماذا نحن هكذا ، نرتدي سراويل الدجينز الممزقة في الركبات ، ونضع الكاسكيطات على الطريقة الغربية فوق رؤوسنا ، وتلبس الفتيات الميني جيب الذي يكشف عن أجزاء مهمة من صدورهن ، ويختلط الرجال بالنساء على شاطئ البحر تماما كما يحدث في البلدان الغربية المتقدمة ، لكننا مع ذلك نعيش بعقليات تعود إلى القرون الوسطى أو ما قبلها ! . يعني أننا نقلد البلدان المتحضرة فقط في المظهر ، أما الجوهر الله يجيب .
فمتى سنتخلص من هذه العقليات المريضة يا ترى ؟ ومتى سنعرف أن التحضر والرقي ليس هو تعرية صدور الفتيات ومؤخرات الشباب وصبغ الشعر بكل الألوان الموجودة في الكون ؟ أحد الساخرين قال لي ذات مرة بأن ما ينقصنا لكي تستقيم تصرفاتنا وسلوكياتنا هو أن نرسل أدمغتنا إلى اليابان أو أي دولة أخرى متحضرة لكي يتم تقويمها هناك ، وبعد ذلك يردونها لنا . يا له من حل رائع !
هناك من يقول بأن سبب سخونة دم المغاربة يعود بالأساس إلى كل هذه الضغوط التي تفرضها علينا حياتنا القاسية ، المواطن المغربي البسيط تحيط به المشاكل التي لا تنتهي من كل الجهات ، لذلك تكون أعصابه متوترة على الدوام ، ويكون مستعدا للشجار والعراك بمجرد نشوب خلاف تافه .
لكن لماذا حتى الذين لا يعانون من مثل هذه المشاكل تكون أعصابهم ساخنة أيضا ؟ لماذا يتحول البرلمان مثلا أثناء انعقاد جلسات النواب إلى صالة يتعالى فيها الصراخ ويقذف فيها النواب بعضهم بعضا بكلمات نابية يقتبسونها من قاموس الشارع ؟
هناك أيضا من يقول بأن ثقافتنا والتربية التي نتلقاها داخل الأسر والمدارس هي التي تجعل المغربي إنسانا قابلا للانفجار في أي لحظة مثل عبوة ناسفة ، لكن المشكل هو أن حتى المغاربة الذين ولدوا وتربوا في البلدان المتقدمة ودرسوا هناك تكون دماؤهم أيضا ساخنة مثل إخوانهم داخل الوطن . ياك ما هادشي عندو علاقة بالوراثة ؟
عندما تسمع عن مظاهرة صاخبة كسرت فيها أبواب المحلات التجارية وأحرقت فيها السيارات في فرنسا أو بلجيكا أو هولندا فاعلم أن زعماءها سيكونون بلا شك من أصول مغربية أو جزائرية !
المغاربة لا يعرفون كيف يتظاهرون بدون تخريب ممتلكات الآخرين ، ولا يعرفون كيف يتناقشون دون رفع أصواتهم ، ولا يعرفون كيف يطالبون بحقوقهم من دون أن يرفعوا أيديهم في السماء .
نحن لا نعرف كيف نلقي تحية الصباح والمساء ، كل ما نعرفه هو العبوس والشتم والسب بلا سبب .
هذا هو واقعنا ، وهكذا نحن . الدم ديالنا سخون بحال الدم ديال العود . أما لماذا نحن هكذا ، فالجواب في علم الغيب !